الحياة وحدها جديرة بأن تُحيا
"الحياة وحدها جديرة بأن
تُحيا." عبارةٌ تبدو للوهلة الأولى بديهيةً، لا تُثير السؤال، ولا تستوجب التأمل، لكنّها
في عمقها نداءٌ للفطرة، وصيحةٌ في وجه العبث، وهمسةٌ في أذن كلّ من أرهقته الندوب،
وكلّ من بات يسير في الدرب وهو لا يدري: هل يسير نحو الحياة، أم يفرّ منها؟
نحن لا نُولد باختيارنا،
لكننا نُخَيَّر كلّ يومٍ بين أن نحيا أو ننجو فقط. بين أن نكون مجرّد أجساد تمشي فوق
الأرض، أو أن نكون أرواحًا تعبّر عن ذاتها، وتصنع أثرها، وتُحبّ، وتُعاني، وتَطمح،
وتَحلم. وفي خضمّ الضجيج، وصخب الحياة المعاصرة، وتكرار الخسارات، قد نغفل عن حقيقةٍ
بسيطة، لكنها جوهرية: أن الحياة نفسها، لا المال، ولا المجد، ولا حتى الراحة، هي التي
تستحق أن تُعاش.
الحياة لا تُقاس بطولها، بل بعمق الشعور فيها. لحظة حبٍّ صادق، أو لحظة دهشة أمام غروب، أو دمعة فخرٍ في عيونِ أمّ، قد تكون أغلى من عقودٍ من العيش الخالي من الشعور. ولذا، فإن ”دعوة أن نحيا الحياة“ لا تعني أن نملأ أيامنا بالأحداث، بل أن نملأ أرواحنا بالمعنى.
من ظنّ أن الحياة يجب أن
تكون خالية من الألم كي تُحَبّ، فهو لم يعرفها حقًّا. الحياة ليست وعدًا بالسعادة،
بل وعدٌ بالتجربة، بالتنوع، بالتقلّب… وهي، في هذا الثراء، تستحق أن تُحيا. ففي الحزن
درس، وفي الفشل نضج، وفي الوحدة اكتشاف. وكأنها تقول:”خذ
منّي كلّ ما فيّ، لا تختصرني في رغباتك فقط.“
الحياة لا تنتظر من يُرضي شروطها، بل تمنح نفسها لمن يُقبل عليها. من يُغامر، من يُجرّب، من يخطئ، من يتعثّر ويقوم. من يُصغي لنداء داخله، لا لضوضاء الخارج. الحياة تُعطيك وجهها إن أنت أعطيتها قلبك. أمّا من يسكن الحذر، ويحبس نفسه في قفص ”الآمن“، فهو حيٌّ في الظاهر، لكنّه لا يعيش.ولعلّ أجمل ما في الحياة أنها لا تسألنا: ماذا نملك؟ بل تسألنا: كيف نرى؟ فمن يُحسن النظر، رأى في كلّ شيءٍ حياة. رأى في بكاء الطفل حياة، وفي حفيف الشجر حياة، وفي يدٍ تمسك بيده حياة. هي لا تحتاج إلى دليلٍ على قيمتها، بل إلى قلبٍ لا يزال ينبض بها.
فلنُعِد التفكير… لنسأل أنفسنا لا:”ماذا نريد من الحياة؟ “، بل ماذا تريد الحياة منّا؟ ربّما تريد فقط أن نراها، أن نُبصرها، أن نحبّها ولو في شقائها.
نعم، الحياة وحدها جديرة بأن تُحيا…لا لأنها مثالية، بل لأنها حقيقية...
٢٦ يوليو ٢٠٢٥

Comments
Post a Comment